أبي الفرج الأصفهاني
211
الأغاني
قياما ينظرون إلى سعيد كأنهم يرون به هلالا فقال له : يا أبا عبد الملك إنك من بينهم صافن [ 1 ] ، فحقد عليه مروان ذلك ، ولم تطل الأيام حتى عزل سعيد ، وولَّي مروان فلم يجد على الفرزدق متقدّما [ 2 ] حتى قال قصيدته التي قال فيها : / هما دلَّتاني من ثمانين قامة كما انقضّ باز أقتم الريش كاسره فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا أحيّ يرجّى أم قتيل نحاذره فقلت : ارفعا الأمراس لا يشعروا بنا وأقبلت في أعقاب ليل أبادره [ 3 ] أبادر بوّابين لم يشعروا بنا وأحمر من ساج تلوح مسامره [ 4 ] فقال له مروان : أتقول هذا بين أزواج رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، أخرج عن المدينة فذلك قول جرير : تدلَّيت تزني من ثمانين قامة وقصّرت عن باع الندى والمكارم [ 5 ] أخبرنا [ 6 ] ابن دريد ، قال : أخبرنا الرياشي ، عن محمد بن سلَّام ، قال : رواية أخرى للخبر السابق : دخل الفرزدق المدينة هاربا من زياد ، وعليها سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس أميرا من قبل معاوية ، فدخل على سعيد ، ومثل بين يديه ، وهو معتم [ 7 ] ، وفي مجلس سعيد الحطيئة وكعب بن جعيل التغلبي ، وصاح الفرزدق : أصلح اللَّه الأمير ، أنا عائذ باللَّه وبك ، أنا رجل من تميم ، ثم أحد بني دارم ، أنا الفرزدق بن غالب ، قال : فأطرق سعيد مليّا ، فلم يجبه ، فقال الفرزدق : رجل لم يصب دما حراما ، ولا مالا حراما ، فقال سعيد : إن كنت كذلك فقد أمنت ، فأنشده : / إليك فررت منك ومن زياد ولم أحسب دمي لكما حلالا [ 8 ] ولكنّي هجوت وقد هجاني معاشر قد رضخت لهم سجالا [ 9 ] فإن يكن الهجاء أحلّ قتلي فقد قلنا لشاعرهم وقالا
--> [ 1 ] صفن الرجل : صف قدميه ، كأنه يريد أن يقول له : إنك من بينهم لست واقفا فحسب ، بل حسن الوقوف منتصب القامة ، بدليل غضبه عليه . [ 2 ] لم يجد على الفرزدق متقدما ، أي سببا يستقدم من أجله ليحاكم ، وفي بعض الأصول « مقدما » بدل « متقدما » . [ 3 ] الأمراس : الحبال ، وقد جاء في ب بدل هذا البيت وما بعده . فقلت ارفعوا الأسباب لا يشعروا بنا وأحمر من ساج تلوح مسامره والتصويب من هد « والمختار » . [ 4 ] وأحمر من ساج : يريد الباب . [ 5 ] في هد : « وقصرت عن باع العلا والمكارم » . [ 6 ] هذا الخبر - على طوله - ساقط من الأصول ، ولكنه مثبت عند ابن سلام ، « والمختار » ح 8 ص 115 وما بعدها . [ 7 ] كذا في « المختار » ، وعند ابن سلام : « وهو معهم » . [ 8 ] كذا في « المختار » ، وفي الأصول : ضلالا . [ 9 ] رضخت لهم ، من قولهم : رضخت التيوس إذا أخذت في النطاح ، أي أخذت أساجلهم النطاح .